الغزالي

20

ميزان العمل

الغزالي يبحث عن الحقيقة عند علماء الكلام قد عرفنا أن الغزالي قد خرج من أزمة الشك واثقا بالضرورة العقلية فقط ، وهو يتخذ هذه الضرورة العقلية وسيلته الوحيدة للوصول إلى الحقيقة ، وهو في هذه المرحلة لم يملك بعد من الحقيقة شيئّا إنه بصدد البحث عنها فقط هذا هو موقف الغزالي في الوقت الذي يتقدم فيه إلى علم الكلام يبحث فيه عن الحقيقة . فما ذا عند علم الكلام ، وعلمائه ، من الحقيقة ؟ إن علم الكلام ليس من العلوم التي مهمتها الأولى الكشف عن الحقيقة ، ولا علماؤه مهمتهم الأساسية الكشف عن الحقيقة . إن الحقيقة قد أعطيت لهم من غير أن يجشموا أنفسهم متاعب البحث عنها ، إنهم ورثوها إرثا ، وأعطوها إعطاء - إن صح هذا التعبير - ولكيلا أتهم بأنى أتحامل على علم الكلام وعلمائه ، أو أتحيف من حقوقهم ، أو أصور مهمتهم تصويرا يختلف عما هي عليه ، أدع الغزالي نفسه يصور هذه المهمة ، يقول « 1 » : [ . . . ففي الناس من يذهب إلى أن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل ، بل ليس في قوة البشر الاطلاع عليها ؛ ولذلك قال صاحب الشرع : « تفكروا في خلق اللّه ، ولا تفكروا في ذات اللّه » فما إنكاركم على هذه الفرقة ، المعتقدة صدق الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - بدليل المعجزة ، المقتصرة في قضية العقل ، على إثبات ذات المرسل ، المحترزة عن النظر في الصفات بنظر العقل ، المتبعة صاحب الشرع ، فيما أتى به من صفات اللّه تعالى ، المقتفية إثره في إطلاق « العالم ، والمريد ، والقادر ، والحي » المنتهية عن إطلاق ما لم يأذن فيه ، المعترفة بالعجز عن درك العقل حقيقته ] هذه هي مهمة علماء الكلام كما يشرحها « الغزالي » في تهافت الفلاسفة ، الذي ألفه « الغزالي » دفاعا عن علماء الكلام ، وتهوينا من شأن الفلاسفة ، وشأن منهجهم .

--> ( 1 ) في كتابه « تهافت الفلاسفة » ص 179 ط 3 دار المعارف .